أتحدث اليوم عن “دبوس” جذور مبعثرة، ومحاولاتٌ للتعافي.

وصلني قبل أيام “دبوس” الجامعة التي تخرجت منها قبل أشهر قليلة، عندما أمسكته في يدي تذكرت فجأة: أجزاءً من جذوري الموجودة في أنحاء العالم.. لا أعرف ما هو الرابط؟.. ربما هي نهايات الأشياء.

عشت في عدة بلدان، وفي كل مرة كنت أفتح حقائب سفري لأعدّ وأرتب أمتعتي في الخزانة الجديدة؛ كنت أضع جذورًا وهمية في ذلك المكان.. هي عادة غريبة لا أعرف من أين اكتسبتها؟! ربما هو مزاجي الترابي، وكأنني لا أريد أن أكون عابرة، بل متجذّرة في مكان ما دومًا، و كلما جاء وقت الرحيل اقتلعت تلك الجذور، ووضعتها على ظهري لحين الوصول للمقصد.. وكل مرة.. كل مرة أقتلع تلك الجذور؛ يبقى جزء منها ملتصقًا بالأرض.. أي: أن جزءًا مني ملتصق بالأرض، ثم أدعه وأغادر.

اكتشفت في وقت لاحق: أن الأجزاء التي لم تأت معي؛ هي الأجزاء الضعيفة الحزينة، التي كان يجب أن تبقى لتتعافى.. لتتعافى مع العودة.

لطالما كنت أشعر برغبة ملحّة للعودة للأماكن التي لم أكن فيها بخير عندما كنت فيها، وأحيانًا أرغب بالرجوع لها مرة تلو الأخرى؛ وكأن رجوعي إلى المكان الذي شهد مرحلة صعبة من حياتي، بعد أن أنتصر، وأكون بخير؛ يساعدني على طيّ الصفحة، والعبور منها، وكأن ذاك الجزء المتعب يتعافى بداخلي، وينقطع اتصالي بقطعة الجذر العالقة في ذلك المكان. وقتها: أستطيع أن لا أكترث.

عادي، إذا لم تفهموا شيئًا؛ لأنها “خربشات” نصف الليل.. ولأن علاقة الإنسان بالمكان ليست دائمًا معقّدة. ما أريد أن أقوله هنا: إن لكل منا حاجات خاصة به؛ ليتعافى كإنسان، وعليه أن يأخذ نفسه برفق، ويعمل معها لتتعافى.. ليس من الضروري أن تكون حاجاتي منطقية بنظر الجميع. غالبًا إذا جلس معي أحدهم، وتحدث عما بداخله؛ فلن أرى ذلك على هيئة معادلة خطية واضحة أيضًا.

افعل ما يطلبه منك حدْسُك.. ذلك الصوت الصغير اللذي يعيش بداخلك؛ لتتعافى وتلتصق أجزاؤك ببعضها، مادام لا يؤذيك، ولا يؤذي غيرك، فالقوة المدبرة التي تدير جسمك وروحك تعرف ما تفعل؟ (قد تكتشف لاحقًا ما كان يعرفه ذلك الصوت الصغير، وتكون ممتنًّا أنك أصغيت – انظر: الصورة ٣).

عليك فقط أن تفسح المجال، وأن تتوقف عن ممارسة دور شرطة العقل والمنطق لنفسك؛ فعقولنا ليست كاملة، ومنطقنا لم يبلغ مداه، وما لا نعرفه أكثر ممّا نعرفه. لنأخذ خطوة إلى الوراء، ونفسح مجالًا أوسع للحياة؛ لتجري بداخلنا بكل تفاصيلها الغريبة، وغير المفهومة.